محمد هادي معرفة

165

التمهيد في علوم القرآن

تنويع الصوت مدّا وغنّة ولينا وشدّة وما يتهيّأ له من حركات مختلفة ، وبمقدار ما يكسبه من الحدرة والارتفاع والاهتزاز مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن ، لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها ، في هزّ الشعور واستثارة الوجد النفسي . ومن هذه الجهة تراه يغلب على طبع كل عربيّ أو عجميّ . وبذلك يؤوّل ما ورد من الحثّ على تحسين الصوت عند قراءة القرآن . وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلّا صورا تامّة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى ، وهي متّفقة مع آياتها في قرارات الصوت اتّفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت ، والوجه الذي يساق عليه ، بما ليس وراءه من العجب مذهب . وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم ، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها . أو المدّ ، وهو كذلك طبيعيّ في القرآن « 1 » وقال بعض أهل الفنّ : كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون ، وحكمة وجودها التمكّن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه : إنّهم - أي العرب - إذا ترنّموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنّهم أرادوا مدّ الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنّموا . وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . فإن لم تنته بواحدة من هذه - كأن انتهت بسكون حرف - كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه وأكثر ما يكون في الجمل القصار ، ولا يكون إلّا بحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب أخرى من النظم الموسيقى .

--> ( 1 ) إعجاز القرآن : ص 188 و 216 .